السيد كمال الحيدري

388

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

المعرفية والتطبيقية جمَّة ، فكلّ كلمة منه تكاد أن تُشكِّل مطلباً معرفياً قائماً بنفسه من جهة ومفتاحاً تفهيمياً وإرشادياً لمفردات أُخرى من جهة أُخرى ، هذا من حيث بُناه التركيبية ، وأما من حيث صلته بما تقدَّم من المقطعين السابقين فإنها علاقة صميمية ، كما ستعرف ، فهو مقطع فعَّال جداً ، ويُشكِّل لنا محصّلة نهائية لكل ما تقدَّم في بحوثنا في هذه الآية الكريمة . إنه مقطع معرفي خالص ، وإن كاد لا يتبادر منه ذلك لأوّل وهلة ، والذي يُساعد على عدم التبادر هذا هو تعاطي الأعمّ الأغلب من المصنَّفات التفسيرية له ، التي لا تكاد أن تتجاوز حدود التفسير المفرداتي ، مع أنَّ الحقيقة الماثلة أمام كل مُفسِّر مُحقِّق هي غير ذلك ، فإنَّ فيه من البحوث ما يُمكن أن تُبيِّض به مجلّداً كاملًا ، أو أكثر من ذلك ، وليس في ذلك عجب يُذكر بعد أن اتّضح أن لبسملة الكتاب وحدها ما يفوق التصوّر من المطالب المعرفية والفكرية والمعنوية ، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال : ( لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيراً ) « 1 » ، وفي رواية أُخرى عنه عليه السلام أنه قال : ( لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم ) « 2 » ، ولكنَّ : ( أهل الجهل كثير ، وأهل العلم قليل . . . ) « 3 » ، فكيف يُملي عليهم ذلك وفيهم من لا يعرف معنى الخيط الأبيض من الأسود « 4 » ، والآية تُفسِّرها ،

--> ( 1 ) ينابيع المودّة للقندوزي : ج 1 ، ص 214 . ( 2 ) عوالي اللآلي ، للأحسائي : ج 1 ، ص 205 ، ح 150 . ( 3 ) الكلمة للإمام الصادق عليه السلام ، جاءت في حديث طويل ، فعن مسعدة بن صدقة قال : ( دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله . . . ) ، فذكر الحديث بأكمله ، وقد جاءت هذه الفقرة في ذيله . انظر : الفروع من الكافي ، للكليني : ج 5 ، ص 70 ، ح 1 ، كتاب المعيشة . ( 4 ) يُروى ذلك عن عدّي بن حاتم الطائي ، فقد قال : ( علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة والصيام ، قال : صلِّ كذا وكذا وصم ، فإذا غابت الشمس فكل واشرب حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وصم ثلاثين يوماً إلا أن ترى الهلال قبل ذلك ، فأخذتُ خيطين من شعرٍ أسود وأبيض ، فكنت أنظر فيهما فلا يتبيّن لي ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فضحك رسول الله حتى رؤيت نواجذه وقال : يا ابن حاتم إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل ، فابتداء الصوم من هذا الوقت ) . انظر : مسند أحمد : ج 4 ، ص 377 . وأيضاً : مجمع البيان ، للطبرسي : ج 2 ، ص 23 . فعدّي لم يلتفت إلى القرينة اللفظية المُفسِّرة للنصّ ، وهي قوله تعالى : ( مِنَ الْفَجْرِ ) . .